من روائع الثراث المغربي:فن الملحون

مشاركة
30 مايو 2011

altفن الملحون يعتبر (الملحون) فنًّا شعريًّا وإنشاديًّا وغنائيًّا متميزًا بالمغرب، هو تراث مكتنز يختزل مقومات الثقافة المغربية ومظاهر حياتها الأصيلة. يتخذ من اللهجة العاميَّة أداتَه، ومن مضامين اللغة الفصحى بشعرها ونثرها، مادتَه تتلوّن مواضيعها بألوان التوسلات الإلهية، والمدائح النبوية، والربيعيَّات والعشق، والهجاء، والرثاء. بالرجوع إلى كتب التوثيق يظهر أن أولى بواكير فن "الملحون" ظهرت في "العهد الموحدي" خلال القرن السابع الهجري. كما عرف في "العصر السعدي" تطورًا مهمًّا قبل أن يصل إلى درجة التألُّق والتطور في نهاية القرن 19 حيث انتشر بشكل واسع بين الطبقات، وطغى على مضمونه الطابع الديني قبل أن يطرق أبواب مواضيع أخرى استهلها بالطبيعة وختمها بالغزة ومع الزمن زاد اهتمام المغاربة به، خاصة في: فاس، وسلا، ومكناس، ومراكش، على مراحل متباعدة تأثر خلالها بعوامل عدة مشكلاً ما يشبه ديوان المغاربة وسجل حضارتهم بكبر معانيه، وعمق أفكاره، وقيمة الفوائد المبثوثة في شعره، وتنوع بنائه وبحوره، واتساعه في الزمان والمكان. عبر تلك العصور انتقل أداء "القصيدة الملحونية" من مجرد السرد في المساجد والزوايا، إلى اعتماد اليد في ضبط الإيقاع أو ما يسمى بـ"التوساد"، وقد توسد الأداء في البداية بآلة "التعريجة" أو "لكوال"، واتسع نطاق الآلات فيه بما يقتضيه التنوع بين الأقسام وأجزائها.

فن الملحون موسيقي يتميز به المغرب عن باقي البلدان العربية، هو شعر عامي قريب إلى العربية الفصحى لكن من غير احترامه لقواعد الاعراب فقط. وقد سمي بهذا الاسم لأنه يلحن في اللغة العربية، أي أنه لا يحترم كل قواعدها وضوابطها، كما قيل إن أصل تسميته يعود إلى كونه شعراً يصدر عن صاحبه ملحنا بحكم وجود ضوابط عروضية وميزانية تحتم على الشاعر أن يقول على منوالها كلاما ملحنا منذ الوهلة الأولى. ومن أكبر شعرائه الذين تتم تسميتهم في حضيرة الملحون بالشيوخ فهناك التهامي المدغري وسيدي قدور العلمي والجيلالي متيرد و محمد بن علي ولد الرزي ومحمد بن سليمان وأحمد الغربلي ومحمد الگندوز وإدريس بن علي الملحون فن يعشقه ويردده المغاربة في كل المناسبات وقد تناول العديد من الموضوعات والملحون هو فن قول أساسا قبل أن يكون فن غناء، فالجانب الموسيقي فيه بحكم أن قصيدته تؤدى في أحسن الأحوال على ثلاث جمل موسيقية، ولذا فإن الذي يؤدي قصيدة الملحون لا يسمى مغنيا وإنما منشدا.

بحور هذا الشعر الشعبي كثيرة من أبرزها المسمى المشرقي وهو الأقرب ببحوره إلى الشعر العربي الفصيح لأنه يبنى على صدر وعجز. في حين هناك بحور أخرى ذات جذور أندلسية قريبة في بنياتها إلى بنيات الموشحات، وأخرى تشابه في بنياتها بنيات المقامة النثرية المسجوعة، وهذا النوع ينقسم إلى قسمين، الأول يسمى مكسور الجناح والثاني يسمى السوسي الذي قد يكون اسمه الحقيقي هو السلوسي أي الكلام المتسلسل السلس الذي كما سبق شبيه بتسلسل كتابة المقامة العربية.

altناس الملحون
بزيهم التقليدي، جلباب وطربوش أحمر، تراهم وآلاتهم الموسيقية باختلافها: الكمان و«التعريجة» (أداة صغيرة للايقاع) والعود والوتار يتوسطون المجمع في احتفال بهيج أو مناسبة عرس عزيزة. وبإيقاعاتهم الخاصة وحركات رؤوسهم المتمايلة وأنظامهم ومواويلهم الأصيلة تراهم يشدون أنظار الحضور إليهم، إنهم مجموعة أجواق طرب الآلة من أندلسي وغرناطي ملحون تميز بها المغرب عن باقي البلدان العربية. ويبقى الاقبال عليها والاستمتاع بجديد شرائطها دليلا قاطعا على تشبث المغاربة بموروث أجدادهم.

الملحون طرب يعتبر رافدا أساسيا من روافد الذاكرة الفنية المغربية بحكم تجذره في تاريخ الحضارة المغربية وارتباط مضامينه وأشكاله بطقوس الحياة اليومية في المغرب منذ أكثر من ستة قرون. لمعرفة تقنيات هذا الفن وأهم رجالاته وقضاياه ورهاناته المستقبلية

altشاعر الملحون
شاعر الملحون ككل شاعر نظم في كل الاغراض مع اختلاف في تسمية هذه الأغراض حيث أنه عمد إلى تجزيء الغرض الشعري الواحد إلى أغراض متعددة، ففي الشعر الديني مثلا نجد شاعر الملحون قد ابتدع فرعا سماه «التوسل» وآخر «المحمديات» وآخر «صاح آل البيت». وفي الغزل الذي سماه شاعر الملحون «العشاقي» (لفظ مشتق من العشق) نجد فروعا لهذا الغرض، منها ما أصبح يحمل اسم أنثى ذاعت قصيدة في اسمها وانتشرت في الارجاء، ومنه ما يحمل اسم مكان أو حتى زمان ارتبط بهما حدث مع ضرورة التأكيد على أن شاعر الملحون قد تفنن كثيرا في تفريع أغراض عن الغرض الرئيسي المشهور بشعر الطبيعة حيث وجدناه يخصص فروعا لمغيب الشمس وسماها بـ«الذهبية» وفروعا لحلول الربيع وسماها بـ«الربيعيات».. وهلم جرا.

حال الملحون بين المد و الجزر
عرفت العقود الأربعة الأخيرة من القرن العشرين حركة داخل الجمعيات والمنظمات الثقافية والفنية التي تهتم بالتراث الشعبي عامة وبالملحون خاصة.
وقد بادرت هذه التنظيمات إلى تأسيس فرق للملحون إلى جانب الجهد المتواضع الذي بذلته الدولة في بعض معاهد تكوين الموسيقى حيث خصصت برامج لتعليم الملحون، خاصة في مدينة مكناس. أما في الوسائل الإعلامية العمومية فإن الإذاعة الوطنية لعبت دورا كبيرا في صيانة هذا الثراث من خلال جوقها الذي يعود له الفضل في توفير كم هائل من الأشرطة الصوتية لهذا الفن. لكن للأسف لقد تم حل هذا الجوق بعد أن توفي جل أعضائه أو أحيلوا على المعاش، لكن من غير أن يتم التفكير في بعث هذا الجوق بطاقات شابة وما أكثرها.

دخل الملحون كمادة أدبية إلى الجامعة المغربية حيث ينجز الطلبة منذ عشرين سنة في مجموع كليات الآداب المغربية ما يفوق العشرين بحثا سنويا حول الملحون لنيل شهادة الإجازة أو الدكتوراه. ساهمت أكاديمية المملكة المغربية في توفير مرجع أساسي للملحون هو كتاب «المعلمة» للأستاذ الكبير الراحل محمد الفاسي أكبر الباحثين في الملحون والمشجعين له والمدافعين عنه خاصة عندما كان وزير الشؤون الثقافية في الستينات.

مواكبة لهذا الزخم النظري فإن مجموعة من التجارب حاولت الارتقاء بنوعية الأداء الفني للملحون حيث ظهرت مجموعة جيل جيلالة في بداية السبعينات والتي أعطت دفعة قوية للملحون من خلال إعادة تركيب الجمل الموسيقية واعتماد آلات عزف غير المستعملة تقليديا في الملحون، إضافة إلى اعتمادها الانشاد الجماعي والفصاحة في الالقاء. وقد تعززت هذه التجربة بالاضافات التي حققتها مجموعة ناس الغيوان في هذا المجال. وكان لعودة المرأة لإنشاد قصيدة الملحون أثر إيجابي في علاقته بالمتلقي، إذ شهدت فترة السبعينات اقدام المطربة بهيجة الإدريسي والمطربة المرحومة لطيفة أمل على إنشاد قصيدة الملحون في الوقت الذي كان فيه هذا النوع من الفن حكرا على الرجال. وجاءت التسعينات بأصوات نسائية جديدة منها على الخصوص ماجدة اليحياوي وثريا الحضراوي وغيرهما.
ويمكن اعتبار مدن مكناس وسلا وفاس ومراكش الآن مزودة أساسية للساحة الوطنية بأصوات جديدة خاصة أن هذه المدن لا تتوفر على مجموعة موسيقية بأصوات جديدة، خصوصا انها لا تتوفر على مجموعة موسيقية مختصة في هذا النوع من الطرب.

و من مظاهر الاعتناء بالملحون حاليا إصرار بعض الجمعيات والمنظمات على تنظيم ملتقيات ومهرجانات خاصة بهذا الفن، سواء كانت ذات طابع رسمي كمهرجان سجل ماسة للملحون الذي تنظمه سنويا وزارة الثقافة المغربية أو حفلات ولقاءات شعبية تقليدية كتلك الأمسيات الأسبوعية التي ينظمها المولعون بهذا الفن في بيوتهم بالتناوب ليلة كل جمعة. والسبب في اختيار ليلة الجمعة هو أن كل المنتمين لعائلة هذا الفن كانوا في الماضي من الحرفيين والصناع التقليديين الذين كان يوم عطلتهم الأسبوعية يوم الجمعة.

شعبانة
وتعتبر «نزهة شعبانة» تتويجا سنويا مهما لأنشطة عائلة الملحون في المغرب حيث دأبت هذه العائلة على استقبال شهر رمضان الكريم بتنظيم حفلات في الأسبوع الأخير من شعبان تسمى «شعبانة» قد تدوم يومين أو أكثر، وغالبا ما كانت تنظم خارج البيوت وخاصة في البساتين حيث يتفرغ المشاركون للغناء والترفيه والتمتع بملذات العيش في اشارة منهم إلى توديع هذه الملذات واستعدادهم لاستقبال رمضان بما يقتديه من صفاء ونقاء. وبحكم أن مدينتي الرباط وسلا تقعان على ضفتي نهر أبي رقراق فقد تميز حفل «شعبانة» بتنظيم خرجات في القوارب وقضاء يوم شعبانة فوق سطح الماء وإنشاد القصائد في جو طبيعي.





 
السابق| التالي من طرف kima تحت تصنيف : الحضارة المغربية التعقيبات (0)

مقالات أخرى

 

التعليقات

 

إضافة تعليق